محمد جواد مغنية
399
في ظلال نهج البلاغة
المعنى : ( فأراد قومنا قتل نبينا واجتياح أصلنا إلخ ) . . كانت قريش - قبيلة النبي وعلي - تعيش بمكة ، وتستأثر بكل الحقوق ، وما لأحد معها شيء ، ونشأ محمد ( ص ) فيها يتيم الأم والأب ، فكفله جدّه عبد المطلب سبع سنين ، ثم عمه أبو طالب ، ولما بلغ الأربعين من عمره اختاره اللَّه لأمره ، فأنفذه في نفسه وزوجته خديجة وابن عمه علي وغلامه زيد ، ثم في نفر قليل . ثم انتشر ذكر الرسول ( ص ) في بلاد العرب ، فأوجست قريش خيفة من رسالته ، ونظرت إليها كثورة تجتاح سيطرتها ، وتستأصل امتيازها من الجذور . . وإذن فلا بدع أن تحاول قريش قتل النبي ، وتعتبره العدو الألد ، وانه المعتدي والبادىء . وما ذا ترقب وتنتظر من قريش وغير قريش ، بل مني ومنك أيضا إذا حاول مريد أن يسلبك كرسي الحكم وما لك من أمر ونهي - ان كان لك شيء منهما - ويساوي بينك وبين من تستعبده وتستغله ، يساويك به في جميع الحقوق والواجبات . أما الحق والعدل وصالح الجماعة والإنسانية والمسئولية ، أما هذه القيم وأمثالها فكلام فارغ في مفهوم أهل القوة والثروة . هذا ، إلى أن قبيلة النبي أرادت العيش معه بسلام ، فعرضت عليه المال والسلطان على أن يتنازل عن دعوة المساواة بين الناس ، وإنصاف الضعيف من القوي ، فرفض وقال : ما جئتكم لأطلب أموالكم والملك عليكم . . إنما أنا رحمة مهداة . . كلكم من آدم وآدم من تراب . . وكلمة لا إله إلا اللَّه لا تنفصل عن كلمة الناس كلهم إخوة وعيال اللَّه ولا يعبدون أحدا سواه . . وافعلوا ما شئتم ، فسأصبر على أذاكم حتى يحكم اللَّه بيني وبينكم . ولما استيأسوا منه عمدوا إلى إيذائه بالقول وبالفعل ، فشنوا عليه وعلى رسالته حرب الدعايات الكاذبة والأضاليل ، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتب السيرة والتاريخ . . وليس النقل من دأبي إلا لضرورة ، أنا أقدرها . . آذوا النبي ( ص ) ونكلوا بالكثير من أصحابه ، ولكن لم يبلغوا منه ما أرادوا ، فازمعوا على الخلاص منه ، وخططوا لقتله بأن يضربوه مجتمعين ضربة رجل واحد ، ويذهب دمه هدرا . . فأبى اللَّه إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون .